الثلاثاء، 6 سبتمبر 2011

بدائع الفوائد لآبن لقيم في تفسير سورة التكاثر


تم نقله للفائدة



قال تعالى { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (*) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (*) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (*) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ} [التكاثر: 1,4]


والتكاثر في كل شيء .. فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمر من الأمور عن الله والدار الاخرة، فهو داخل فى حكم هذه الآية. فمن الناس من يلهيه التكاثر بالمال ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو بالعلم، فيجمعه تكاثرًا وتفاخرًا .. وهذا أسوأ حالاً عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه؛ فإنه جعل أسباب الآخرة للدنيا وصاحب المال والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر بأسبابها.


عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ، قَالَ "يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي"، قَالَ "وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ؟ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ؟ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟"[صحيح مسلم]
ثم أوعد سبحانه من ألهاه التكاثر وعيدًا مؤكدًا إذا عاين تكاثره هباءً منثورًا .. وعَلِمَ دنياه التي كاثر بها إنما كانت خدعًا وغرورًا، فوجد عاقبة تكاثره عليه لا له وخَسِرَ هنالك تكاثره كما خَسِرَ أمثاله وبدا له من الله ما لم يكن فى حسابه وصار تكاثره الذي شغله عن الله والدار الآخرة من أعظم أسباب عذابه ..

فَعُذِبَ بتكاثره في دنياه، ثمَّ عُذِبَ به في البرزخ، ثمَّ يُعَذَب به يوم القيامة ..

فكان أشقى بتكاثره إذ أفاد منه العطب دون الغنيمة والسلامة، فلم يفز من تكاثره إلا بأن صار من الأقلين ولم يحفظ به من علوه به فى الدنيا بأن حصل مع الاسفلين ..

فيا له تكاثرًا ما أقله، ورزءًا ما أجله .. ومن غنى جالبًا لكل فقر، وخيرًا توَّصل به إلى كل شر

يقول صاحبه إذا انكشف عنه غطاؤه: يا ليتني قدمت لحياتى وعملت فيه بطاعة الله قبل وفاتي ..

{.. رَبِّ ارْجِعُونِ (*) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}[المؤمنون: 99,100]



تلك كلمة يقولها فلا يعول عليها، ورجعة يسألها فلا يجاب إليها.




وقوله {كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ} [التكاثر: 5]

جوابه محذوف دل عليه ما تقدم، أي لما ألهاكم التكاثر .. وإنما وجد هذا التكاثر وإلهاؤه عما هو أولى بكم، لما فُقِدَ منكم علم اليقين وهو العلم الذي يصل به صاحبه إلى حد الضروريات التي لا يُشَك ولا يُمارى في صحتها وثبوتها، ولو وصلت حقيقة هذا العلم إلى القلب وباشرته لما ألهاه عن موجبه.
ويُرتب أثره عليه، فإن مجرد العلم بقبح الشيء وسوء عواقبه قد لا يكفي في تركه .. فإذا صار له علم اليقين، كان اقتضاء هذا العلم لتركه أشد .. فإذا صار عين يقين كجملة المشاهدات، كان تخلف موجبه عنه من أندر شيء .. وفى هذا المعنى قال حسان بن ثابت رضى الله عنه في أهل بدر:

سرنا وساروا إلى بدر لحتفهم ... لو يعلمون يقين العلم ما ساروا




وقوله {كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (*) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ}[التكاثر: 3,4]

قيل: تأكيد لحصول العلم .. كقوله {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (*) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ}[النبأ: 4,5].
وقيل: ليس تأكيدًا؛ بل العلم الأول عند المعاينة ونزول الموت، والعلم الثانى في القبر .. هذا قول الحسن ومقاتل ورواه عطاء عن ابن عباس، ويدل على صحة هذا القول عدة أوجه؛ أحدها: أن الفائدة الجديدة والتأسيس هو الأصل، وقد أمكن اعتباره مع فخامة المعنى وجلالته وعدم الإخلال بالفصاحة .. الثاني: توسط "ثُمَّ" بين العلمين وهى مؤذنة بتراخي ما بين المرتبتين زمانًا وخطرًا .. الثالث: أن هذا القول مطابق للواقع، فإن المحتضر يعلم عند المعاينة حقيقة ما كان عليه ثم يعلم في القبر وما بعد ذلك علمًا هو فوق الأول ..
الرابع: أن هذا مطابق لما بعده من قوله {لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (*) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ}[التكاثر: 6,7] .. فهذه الرؤية الثانية غير الأولى من وجهين: إطلاق الأولى وتقييد الثانية بعين اليقين، وتقدم الأولى وتراخي الثانية عنها.
ثم ختم السورة بالإخبار المؤكد بواو القسم ولام التأكيد والنون الثقيلة عن سؤال النعيم، فكل أحد يسأل عن نعيمه الذي كان فيه فى الدنيا .. هل ناله من حلاله ووجهه أم لا؟، فإذا تخلَّص من هذا السؤال سُئِلَ سؤالاً آخر: هل شكر الله تعالى عليه فاستعان به على طاعته أم لا؟

فالأول: سؤال عن سبب استخراجه، والثاني: عن محل صرفه ..



كما جاء عن ابن مسعود: عن النبي أنه قال: "لا تزول قدم بن آدم يوم القيامة من عند ربِّه حتى يسأل عن خمس: عن عمره فيم أفناه؟، وعن شبابه فيم أبلاه؟، وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟، وماذا عمل فيما علم" [رواه الترمذي وحسنه الألباني]
وفيه أيضًا من حديث من أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله "إن أول ما يسأل العبد يوم القيامة من النعيم، أن يقال له: ألم نصح جسمك ؟ ونروك من الماء البارد ؟"[رواه الترمذي وصححه الألباني]
وفيه أيضًا عن عبد الله بن الزبير بن العوام عن أبيه قال: لما نزلت {ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ}[التكاثر: 8]، قال الزبير: وأي نعيم نُسأل عنه، وإنما هو الأسودان: التمر والماء؟!، قال "أما إنه سيكون" [رواه ابن ماجه وحسنه الألباني]
وقوله "أما إنه سيكون" .. إما أن يكون المراد به: أن النعيم سيكون ويحدث لكم، وإما أن يرجع إلى السؤال .. أي إن السؤال يقع عن ذلك وإن كان تمرًا وماءً فإنه من النعيم، ويدل عليه قوله فى الحديث الصحيح وقد أكلوا معه رطبًا ولحمًا وشربوا من الماء البارد، فقال رسول الله "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد ورطب طيب وماء بارد"[رواه الترمذي وصححه الألباني] .. فهذا سؤال عن شكره والقيام بحقه.
وعن أبي هريرة وعن أبي سعيد قالا: قال رسول الله : "يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول الله له: ألم أجعل لك سمعًا وبصرًا ومالاً وولدًا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع، فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟، فيقول: لا، فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني"[رواه الترمذي وصححه الألباني]
والواقع يشهد بعدم اختصاص الخطاب بالكفار وحدهم، وأن الإلهاء بالتكاثر واقعٌ من المسلمين كثيرًا .. بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر، وخطاب القرآن عام لمن بلغه وإن كان أول من دخل فيه المعاصرين لرسول الله فهو متناول لمن بعدهم وهذا معلوم بضرورة الدين .. فقوله { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ..}خطاب لكل من اتصف بهذا الوصف، وهم في الالهاء والتكاثر درجات لا يحصيها إلا الله.
وتأمل ما في هذا العتاب الموجع لمن استمر على إلهاء التكاثر له مدة حياته كلها إلى أن زار القبور .. ولم يستيقظ من نوم الإلهاء، بل أرقد التكاثر قلبه فلم يستفق منه إلا وهو في عسكر الأموات .. وطابق بين هذا وبين حال أكثر الخلق، يتبيَّن لك أن العموم مقصود.
وتأمل تعليقه سبحانه الذم والوعيد على مطلق التكاثر من غير تقييد بمتكاثرٍ به، ليدخل فيه التكاثر بجميع أسباب الدنيا على اختلاف أجناسها وأنواعها .. وأيضًا فإن التكاثر تفاعل، وهو طلب كل من المتكاثرين أن يكثر صاحبه فيكون أكثر منه فيما يكاثره به والحامل له على ذلك توهمه أن العزة للكاثر.
فلو حصلت له الكثرة من غير تكاثر لم تضره .. كما كانت الكثرة حاصلة لجماعة من الصحابة ولم تضرهم، إذ لم يتكاثروا بها ..
وكل من كاثر إنسانًا في دنياه أو جاهه أو غير ذلك، شغلته مكاثرته عن مكاثرة أهل الآخرة .. فالنفوس الشريفة العلوية ذات الهمم العالية إنما تُكَاثِر بما يدوم عليها نفعه وتَكْمُل به وتزكو وتصير مفلحة، فلا تحب أن يكثرها غيرها في ذلك وينافسها في هذه المكاثرة ويسابقها إليها ..

فهذا هو التكاثر الذي هو غاية سعادة العبد، وضده: تكاثر أهل الدنيا بأسباب دنياهم ..

فهذا تكاثر مُله عن الله والدار الآخرة هو صائر إلى غاية القلة، فعاقبة هذا التكاثر قل وفقر وحرمان .. والتكاثر بأسباب السعادة الآخروية تكاثر لا يزال بذكر بالله ولقائه، وعاقبته الكثرة الدائمة التي لا تزول ولا تفنى ..
وصاحب هذا التكاثر لا يهون عليه أن يرى غيره أفضل منه قولاً وأحسن منه عملاً وأغزر علمًا .. واذا رأى غيره أكثر منه في خصلة من خصال الخير يعجز عن لحاقه فيها، كاثره بخصلة أخرى هو قادر على المكاثرة بها ..

وليس هذا التكاثر مذمومًا ولا قادحًا في إخلاص العبد، بل هو حقيقة المنافسة واستباق الخيرات،،

وقد كانت هذه حال الأوس مع الخزرج رضي الله عنهم في تصاولهم بين يدي رسول الله ومكاثرة بعضهم لبعض في أسباب مرضاته ونصره .. وكذلك كانت حال عمر مع أبي بكر رضي الله عنهما، فلما تبيَّن له مدى سبقه له قال: والله لا أسابقك إلى شيءٍ أبدًا.
ومن تأمل حُسن موقع "كَلَّا .." في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعًا لهم وزجرًا عن التكاثر ونفيًا وابطالاً لما يؤملونه من نفع التكاثر لهم وعزتهم وكمالهم به ..
فتضمنت اللفظة نهيًا ونفيًا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علمًا بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم من أين استخرجوها وفيما صرفوها.
وتأمل كيف جعلهم عند وصولهم إلى غاية كل حي زائرين غير مستوطنين .. بل هم مستودعون في المقابر مدة وبين أيديهم دار القرار، فإذا كانوا عند وصولهم إلى الغاية زائرين، فكيف بهم وهم في الطريق في هذه الدار؟ .. فهم فيها عابرو سبيل إلى محل الزيارة، ثمَّ منتقلون من محل الزيارة إلى المستقر ..

فهنا ثلاثة أمور: عبور السبيل في هذه الدنيا، وغايته زيارة القبور، وبعدها النقلة إلى دار القرار.


فَلِلَّهِ ما أعظمها من سورة وأجلها وأعظمها فائدة وأبلغها موعظة وتحذيرًا، وأشدها ترغيبًا في الآخرة وتزهيدًا في الدنيا على غاية اختصارها وجزالة ألفاظها وحسن نظمها ..


فتبارك من تكلم بها حقًا، وبلغها رسوله عنه وحيًا،،

الأربعاء، 31 أغسطس 2011

معايدة 1432 هــ

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


هنيئاً لك العيد الذي أنت عيده *** وعيد لكل من ضحى وعيدا
ولازالت الأعياد لبسك بعده *** تسلم مخروقاً وتعطي مجددا
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى *** كما كنت فيهم أوحداً كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها *** وحتى يكون اليوم لليوم سيدا

-المتنبي




ولما انقضى شهـر الصيـام بفضله *** تجلَّى هـلالُ العيـدِ من جانبِ الغربِ
كحاجـبِ شيخٍ شابَ من طُولِ عُمْرِه *** يشيرُ لنا بالرمـز للأكْـلِ والشُّـرْبِ


-ابن الرومي


أهـلاً بفِطْـرٍ قـد أضاء هـلالُـه **** فـالآنَ فاغْدُ على الصِّحاب وبَكِّـرِ
وانظـرْ إليـه كزورقٍ من فِضَّــةٍ *** قـد أثقلتْـهُ حمـولـةٌ من عَنْبَـرِ


-ابن المعتز


أبو إسحاق الألبيري حول حقيقة معنى العيد؛ فيقول:
ما عيدك الفخم إلا يوم يغفر لك *** لا أن تجرَّ به مستكبراً حللك
كم من جديد ثيابٍ دينه خلق *** تكاد تلعنه الأقطار حيث سلك
ومن مرقع الأطمار ذي ورع *** بكت عليه السما والأرض حين هلك



هَلَّت بَشَائِرُ الْعِيْدِ عَلَيْنَا
وَالْفَرَحُ وَالسُّرُورُ فِي مُقْلَتَيْنَا
عِيْدٌ مِنَ الله عَطِيَّةٌ وَمِنَّةٌ
لِلْمُؤْمِنِيْنَ الصَّائِمِيْنَ القَائِمِيْنَا
فَيَارَبِّ تَقَبَّلْ مِنَّا كُلَّ طَاعَةٍ
وَاحْشُرْنَا فِي جَنَّاتٍ أَجْمَعِيْنَا


ويستغل الشاعر محمد الأسمر فرصة العيد ليذكر بالخير و الحث على الصدقة فيه تخفيفًا من معاناة الفقراء والمعوزين في يوم العيد؛ فيقول:
هذا هو العيد فلتصفُ النفوس به *** وبذلك الخير فيه خير ما صنعا
أيامه موسم للبر تزرعه *** وعند ربي يخبي المرء ما زرعا
فتعهدوا الناس فيه:من أضر به *** ريب الزمان ومن كانوا لكم تبعا
وبددوا عن ذوي القربى شجونهم *** دعــا الإله لهذا والرسول معا
واسوا البرايا وكونوا في دياجرهم *** بــدراً رآه ظلام الليل فانقشعا




ويستمر في وصفه حتى يختمها بقوله:



ياليلة العيد كم في العيد من عبر *** لمن أراد رشاد العقل والبشر




والعيد ما هو إلا تعبير عن السعادة التي تغمر الصائمين بنعمة الله التي أنعمها عليهم باكتمال صيام الشهر الفضيل يقول محمد بن سعد المشعان:
والعيد أقبل مـزهوًا بطلعته *** كأنه فارس في حلة رفـلا
والمسلمون أشاعوا فيه فرحتهم *** كما أشاعوا التحايا فيه والقبلا
فليهنأ الصائم المنهي تعـبده *** بمقدم العيد إن الصوم قد كملا



تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال . وكل عام وأنتم بخير . ومن العايدين ومن الفائزين .

الاثنين، 4 يوليو 2011

×× بما يخص شكاوى الجامعة : مشكلة المشاكل وحل الحلول ××

بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته




"أيها الإخوان : كان هذا المعهد حلماً من أحلامنا قبل عدة سنوات ، حيث كنا ننظر إلى ما حولنا ، فنجد أنفسنا صامتين مبهورين ليس في إمكاننا أن نجاري غيرنا ، أو نقارع الأمم الأخرى ، في سبيل النهضة والحياة ، ولكن الله سبحانه وتعالى سهّل السبيل ومهّد الصعاب التي تعترض الطريق ، فوُجد هذا المعهد في فترة لا تتجاوز السنتين ، وفي اعتقادي أن هذه فترة قياسية ، أن ننظر إلى ما كنا عليه قبل سنتين ، وما نحن عليه الأن"


من كلمة جلالة الملك فيصل يرحمه الله
بمناسبة افتتاح كلية البترول والمعادن
يوم الثلاثاء 8 شوال 1384هـ الموافق 9 فبراير 1965م




المرسل إليه : الإخوة الأفاضل المسئولين في الجامعة والمنتدى وا والإخوة الأفاضل زوّار ومتصفحي هذا المنتدى.

الموضوع : " كيفية حل المشكلة في المحيط الجامعي" . من خلال التالي :


  • مقدمة
  • تأصيل الموضوع وتقعيده
  • تحليل المشكلة
  • إبتكار الحلول
  • توصيل المشكلة والحل
  • تجارب شخصية
  • خاتمة



النصيحة : هي بذل النصح للغير والنصح معناه أن الشخص يحب لأخيه الخير ويدعوه إليه ، ويبينه له ويرغبه فيه ، ولذلك قال النبي صلي الله عليه وسلم : الدين النصيحة ثلاث مرات قالوا لمن يارسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم .

ولذلك قال سيدنا نوح عليه السلام لقومه حين دعاهم إلي الله تعالي :

{أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }الأعراف62

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم))



وعيناك إن أبدت إليـك مسـاؤا
فدعها وقل يا عين للنـاس أعيـن
فلا ينطقن منـك اللسـان بسـوءة
فكلـك سـوءات وللنـاس ألسـن
وعاشر بمعروف وسامح من اعتدى
وناصح ولكن بالتي هـي أحسـن


مر بي وبك أخي الكريم مشكلة أثناء عيشنا في رحاب هذه الجامعة العريقة .

شكوت وما الشكوى لمثلي عادة
ولكن تفيض النفس عند امتلائها

وكما نعلم ليس هنالك إنسان كامل .وكذلك ليس هنالك شخص كامل . ولكن كلنا يضيق صدرنا لرغبتنا العارمة والصادقة في تميز جامعتنا في كافة المجالات. لذا ظهرت حاجة ملحة في حل المشكلات الموجودة وقد سبقوني إخوتي الأفاضل كل بطريقته وأسلوبه . فتارة يذهب للمسؤول مرة ويكتب في صحيفة الجامعة مرة . ومن المنتدى يكتب البعض حرصاً جزاهم الله كل خير جميعاً . ولكن لأن هدفنا سامي وغايتنا الخير وتحقيقه بكافة الوسائل الممكنة . فلابد بعد أن أخلصنا النية إن شاء الله أن نعرف الطريقة الصحيحة للنصح والتوجيه وحل المشكلات صغيرها وكبيرها . ودليل ذلك ما نستقيه من ديننا الحنيف في قاعدة من أهم قواعد الدين ألا وهي أن شرطي قبول العمل الإخلاص لوجه الله تعالى ومتابعة سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام . فأن فات أحدها فتنحرف الطائفة والجماعة عن الطريق المستقيم . وبهذا ضلت أغلب الأقوام والطوائف من قبلنا في الخوض في دين الله . فتارة لا يتبعون ما شرع الله فيكونوا مبتدعة وخوارج . وتارة ينسون الإخلاص فيكونوا منافقين ومرائين .


رام نفعاً فبر من غير قصد *** ومن البرّ ما يكون عقوقــا



تأصيل المسألة وتقعيدها

  • النصيحة بهدف حل المشكلة في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ليست وليدة اليوم ولا الأمس . وليست محصورة في جامعة الفهد . بل منذ عصور وقرون والناس مرت بمثل هذه التجربة ووضعت لها قواعد وأصول للتطبيق النافع

  • النصيحة في حل المشكلة هي نفسها ما تعارف عليه الأقوام من قبلنا في نصيحة ولاة الأمر . فالمسؤول في أي إدارة من إدارات الجامعة هو ولي لشأن الطالب ومسؤول مباشر أو غير مباشر عن ما يقدم للطالب من خدمات أو غيره . لذا علينا أن نعرف الطرق الصحيحة المؤدية لتحقيق الأهداف والغايات التي من أجلها قمنا وكتبنا عن المشكلة.

  • النصيحة يجب أن تكون كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)) .

  • قال الإمام العلامة الشيخ آبن باز معلقاً : "والنصيحة كما تقدم هي الإخلاص في الشيء والعناية بها، والحرص على أن يؤدى كاملاً تاماً لا غش فيه ولا خيانة ولا تقصير، يقال في لغة العرب: ذهبٌ ناصح، أي ليس فيه غش."

  • وأيضاً قال : "أما النصيحة لأئمة المسلمين فبالدعاء لهم والسمع والطاعة لهم في المعروف، والتعاون معهم على الخير وترك الشر، وعدم الخروج عليهم، وعدم منازعتهم، إ ومن النصيحة لهم: توجيههم إلى الخير وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بالأسلوب الحسن والرفق وسائر الطرق المفيدة؛ عملاً بهذا الحديث الصحيح، ويقول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى[6]، وقوله سبحانه: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ[7]. "


ليس الجمال بأثواب تزيننا *** إن الجمال جمال العلم و الأدب


  • النصيحة هي مسألة تعارف عليها علماء المسلمون وعامتهم وعملوا بها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم . ولكن عامة الناس اليوم بحرصه الشديد على الخير بارك الله فيه ووجهه لما فيه خير للأسلام والمسلمين يستعجل الشكوى ويطيل الحديث فيما لا ينتج شئ . وعندما لا تحل المشكلة فأنه يخرج لكي يشتكي لدى غير الجامعة وهذه ليست بالطريقة الصحيحة . فما جرت إلا كل شر . بل بالعكس زادت الطين بله .



وبعد المقدمة ندخل في صلب الموضوع .



  • تحليل المشكلة

في البداية قيَم المشكلة . وبعد ذلك أنتقل إلى الخطوة الثانية .

إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة *** فإن فساد الرأي أن تترددا


عندما ترى المشكلة فحللها ولك في ذلك عدة أعماق العمق الأول وهو شبه سطحي . وهو كتابة المشكلة . والتعريف بها . والعمق الثاني . كل ما سابق زيادة على ذلك تبيين أسباب المشكلة وأثارها . والعمق الثالث والأنجع . وهو كتابة المشكلة وتعريفها وأسبابها وآثارها . وكذلك تدعيم ذلك بالحقائق والأدلة إن وجد ودراسة مستوفية عن المشكلة . وأحذركم من طريقة خاطئة وهي التوقيع . وهي طريقة على غير السنة وكأنها مظاهرات ورقية . وخذ على سبيل المثال لو جائك شخص بمشكلة من العمق الثالث وسلم لك مشكلة . أو في المقابل لو جائك مجموعة من الأشخاص يريدون الدخول عليك ويدخل أحدهم ويعطيك ورقة من العمق الأول والتواقيع أكثر من شرح المشكلة . وقبل ذلك كتبوا بطريقة غير لائقة في المنتدى ويتهدد بالجرائد وكأنهم يقولون : " ترى إذا ما سمعت كلامنا بنوريك شغلك ! . فهمت ؟ ترى حنا أقوى منك وبنجمع عليك الناس وبنفضحك عندهم " .بصراحة كيف بيكون ردك .. ؟


تغمدني بنصحك في انفراد ** و جنبني النصيحة في الجماعـــه

فإن النصح بين الناس نوعٌ ** من التوبيخ لا أرضى استماعه

فإن خالفتني و عصيت أمري ** فلا تجزع إذا لم تـلــق طاعـــه




ولكن هذا لا يعني أنك لا تستشير بل بالعكس كما قال الشاعر

الرأي كالليل مسودّ جوانبه * والليل لا ينجلي إلا بإصباحِ
فاضمم مصابيح آراء الرجال إلى * مصباح رأيك تزدد ضوء مصباحِ

وقال أيضاً :

شاور سواك إذا نابتك نائبة * يوماً وان كنت من أهل المشوراتِ
فالعين تنظر منها ما دنا ونأى * ولا ترى نفسها إلى بمرآةِ

  • إبتكار الحلول

لو أتاك ورقة فيها شكوى عن مشكلة ومقدمة بطريقة إحترافية ومن العمق الثالث . ولكن لم تملك حلول . ولم يقترح حلول فيها . فتقل نسبة الفاعلية بنسبة كبيرة . ولكن لو أننا عملنا ما بوسعنا بتقديم الحلول قدر المستطاع . لرفع نسبة قبول النصيحة
وحل المشكلة .

ولولا ارتياحي للنضال عن الهدى لفتشت عن واد أعيش به وحدي

  • توصيل المشكلة والحل



بعد كتابة خطاب محترف بصيغة مؤدبة وعبارة هادئة . وسبق هذا بدعاء أو شكر . مثلاً : "نشكر لكم عملكم الجاد والدؤوب في تحقيق ..إلخ . ونتمنى منكم مراجعة التالي ... " .

وما من كاتب ٍ الا سيفنى ويبقى الدهر ما كتبت يداه ٌ
فلا تكتب بخطك غير شيئ ٍ يسرك في القيامة ان تراه ُ

لابد من معرفة مجال المشكلة . دكتور غير جيد , أداء إدارة مقصرة . لا تذهب لمدير الجامعة مباشرة بل أدخل على رئيس القسم أو مدير الإدارة . وقدم له خطاب إحترافي بالصيغة أدناه . أو أرسل له بالفاكس أو بالبريد الإلكتروني .أو ضع الورقة لدى السكرتير . وراجع الإدارة بعد فترة لمتابعة الطلب . وبعد هذا إن لم تجد حل سريع أو لم ترضى بالطريقة التي تم التعامل معك بها . فأذهب بالنسخة من خطابك إلى مدير الجامعة وليس يقصر أبداً . وقد يقول البعض أن هذا الأمر صعب وشاق . فأقول :

تلذ له المروءة وهي تؤذي *** ومن يعشق يلذ له الغرام

وأيضاً :

ومن تكن العلياء همة نفسه *** فكل الذي يلقاه فيها محبب

أفتح برنامج معالجة النصوص وأكتب بطريقة إحترافية مشتملاً :
  • التاريخ , رقم الخطاب , المرسل , المرسل إليه , الموضوع , صورة شعار الجامعة , التسلسل الهرمي : المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي - جامعة الملك فهد للبترول والمعادن - عمادة س أو وكالة ص أو إدارة ع , الآسم والرقم الجامعي .

ما أقترحت أعلاه هو شئ لا بد منه لكي يتم أخذ شكواك بجدية ورسمية . ولا تنسى المتابعة مع الطلب . في مدة أقصاها على الإطلاق فصل واحد . أعني لو قدمت خطاب في منتصف الفصل الأول وراجعت معهم بالهاتف والبريد . ولم تجد حلاً . راجعهم وأدخل على المسؤول المباشر و مدير الجامعة بصورة من الخطاب وبالتاريخ . وتعطيه خطاب جديد . وتقول فيه سبق وأن كتبنا لكم في خطاب رقم - - وتاريخ ---- وعقبتم بـــ ونعرف حرصكم على ... إلخ .

وبهكذا إن شاء الله تحل أكثر من 95% من مشكلات الجامعة .


أيا صاحبي إن رمت أن تكسب العلا **** وترقى إلى العلياء غير مزاحم
عليك بحسن الصبر في كل حــــالة **** فما صــــــابر فيما يروم بنادم




  • تجارب شخصية
تجربة سلبية شخصية :




أخوكم في الله دخل أحد مرافق الجامعة لكي يمارس حقه في الإستفادة من خدماتها بوقت محدد ومشرع . فؤجى بمسؤول المرفق يغلق الأنوار في الساعة التاسعة ونصف وعندما سالته قال لي خلصوا بنقفل . عدت بعد غد لنفس المرفق ولكن بعد أن سألت من يتولى الوردية الصباحية ليخبرني أن ساعات العمل من السابعة والنصف إلى الحادية عشراً أو العاشرة و 45 دقيقة لكي يغلق الأنوار في ربع ساعة لكي يتسنى للطلاب إنهاء عملهم وإغلاق الأجهزة . وذهبت ودخلت المرفق . ونفس الوقت ونفس الشخص قام وأغلق الأنوار . وسالته نفس السؤال فقال . لكي تجهزوا للخروج . وقلت له متى تغلق قال الساعة العاشرة . فقلت "وهل تغلق التاسعة والنصف وتغلق الأبواب وتمارس ضغوط لكي نخرج ومن قال أنها العاشرة بل الحادية عشرة ولك من الساعة 10:45 تغلق الأنوار " فرد معصباً أنت ليس عمل وتلفظ علي وعلى من أخبرني بالوقت الصحيح ورماه بإتهامات ببلا برهان . وخرجت قائلاً " لن تسمع من كلمة الجواب ما ترى لا ما تسمع . وفي الغد كلمت رقم الجامعة الموحد وسألته عن رئيس الإدارة الصغرى وليس رئيس مركز تقنية المعلومات . وكلمته وسألته بالتفصيل الممل . وفي المساء ذهبت إلى المرفق وفي التايعة عاود الكرة . وكلمته أن مديرك فلان قال لي كذا . فرد أنت كذاب وهو نصاب . فقلت لن أمشي حتى العاشرة وخمس وأربعين دقيقة أو بالتحديد العاشرة والنصف كما وضح لي المدير في الصباح . وقام يزبد ويرعد . ولم أتحرك من مكاني . بل هددني بأخذ أسمي ورقمي الجامعي فرددت عليه باني أنا من أطالب بعرفة أسمك لكي أسحبك غداً لكي تحاسب غداً عند مدير تقنية المعلومات . فخاف وأتصل بمديره الذي كلمته أنا . وقام يتكلم علي أمامه . ولكن المدير هدده في الهاتف وعاد الموظف إلى مكانه وهو يجر أذيال الخيبة . وجلست حتى العاشرة والنصف وحدي في المعمل . ومن ثم خرجت وقبل أن أخرج وقفت عند شباكه وقلت ظهر الحق وزهق الباطل . ولو تبي بكره تحضر عند المدير أنا موجود . وخرجت وأنا أضحك . وفي الغد عدت فوجدت الموظف غير من الإدارة إلى إدارة أخرى والأمور سليمة .







تجربة إيجابية .




كنت ممن شاركوا في مسابقة " عبر وكلنا معك وهي مسابقة ممتازة جداً تحفز على كل ما قلته وأكثر . وأستفدت من هذه التجربة كوني أحد أفضل عشرة باحثين وقد كرمت على ذلك . وبعد ذلك قدمت بحثي المشتمل على مشكلة وحل إلى مدير الجامعة الدكتور خالد السلطان . وكانت تجربة مميزة تناولت فيها أغلب ما ذكرت أعلاه وتحسنت طريقة تعاملي مع المسؤولين وأستفدت خبرات كثيرة . وتفتحت لي أبواب عديدة من حيث لا أدري . والحمدلله أولاً وأخراً .

الدهر أدبني والصبر ربانـي
والقوت أقنعني واليأس أغناني
وحنكتني من الأيـام تجربـة
حتى نهيت الذي قد كان ينهاني


 


وكتبت ما قرأتم فأن صواباُ فمن الله وحده وإن خطأ فمن نفسي والشيطان . أقول هذا وأستغفر الله لي ولكم وأسئل الله أن يوفقنا لما فيه خير لنا في ديننا ودنيانا .

وللجميع فائق التحية والتقدير ؛


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته



كتب في 1432 / 8 / 3 هــ



إنما المكارم أخلاقٌ مطهـرةٌ ***الـدين أولها والعقل ثانيها

والعلم ثالثها والحلم رابعهــــا *** والجود خامسها والفضل سادسها